![]() |
| أخر المشاركات |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
صفوة البشرية وخلاصة الإنسانية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد : فإن الناظر في سيرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ، تأسره تلك الشمائل العظيمة ، والأخلاق الرفيعة ، والخصائص النفسية العالية ، التي لا توجد في غير الأنبياء ، ولا غرو .. فهم صفوة البشرية وخلاصة الإنسانية ، وموطن الاختيار الإلهي . لقد كان حِلْم النبي صلى الله عليه وسلم وصفحه عن من أساء إليه مثلاً عجباً ، فإن الناس قد لا يفقدون من بينهم حليماً ، ولكنه لا ينجو من هفوة ولا يسلم من عثرة ، وقد يتمكن من السيطرة على مخالفه فينسيه ما هو فيه من عز النصرة ونشوة الغلبة ما ينبغي له من سلوك الصفح والعفو ، على أن الإنسان قد تُسوّل له نفسه أن هذا الموطن أو ذاك ليس موطن الصفح والعفو ، ولكنه موطن التأديب والتقريع . لكن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه دائم الصفح والعفو والمجاوزة عمن أساء إلى ذاته الكريمة ، فلقد اتخذ لنفسه منهجاً في إسقاط حق نفسه من المؤاخذة مهما بلغت الإساءة إليه ، وجعل غضبه وانتقامه محصوراً في حق من انتهك محارم الله وتجاوز حدوده ووقف صاداً عن دينه ، وقد جاء وصف هذا المنهج من أقرب الناس إليه ؛ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين قالت : ( وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ) [ أخرجه البخاري ومسلم ] . ودلائل هذا المنهج السلوكي له صلى الله عليه وسلم هو الذي تدل عليه الحوادث الكثيرة في حياته صلوات الله وسلامه عليه . لقد بدأ صلوات الله وسلامه عليه دعوته في مكة ، في وسط قوم عرفوه بالصدق والأمانة ، وعاشروه ما يقرب من نصف قرن من الزمان ، فما وجدوا في حياته مهمزاً ولا في أخلاقه مغمزاً ، وما عرفوه متطلعاً للرئاسة ولا باحثاً عن المجد ، ولكنه رجل مخبت وقور صادق التعبد ، منكفَّاً عن الرذائل ، سبّاقاً إلى ميادين الخير المتاحة ، فكانت هذه الشمائل سبباً للسير وراءه في دعوته إلى الله لو كان القوم يعقلون أو ينصفون ، ولكنهم رموه بكل عظيمة ! فاتهموه بالكذب والخيانة ، وظنوا به طلب الرئاسة ، والبحث عن المال ، وأشاعوا في الناس فيه الأقاويل ؛ بأنه ساحر ، أو كاهن ، أو متعلّم من أهل الكتاب . وقد كان مثل هذا القول الهُجْر يؤذيه ولاشك في ذلك ، لكن قريشاً لم تقف عند هذا الحد بل آذته في جسده ، وعذبته نفسياً بإيذاء أصحابه إيذاءً وصل إلى حد قتلهم وهو لا يستطيع أن يدفع عنهم . ولما فكّر في موطن يحمي فيه هؤلاء المؤمنين ؛ ندبهم إلى الحبشة ليعيشوا في كنف ملك عادل ، فأخذت قريش ترسل الرسل وتبعث الرشاوي إلى ذلك الملك ليعيدهم إلى بلدهم الأول . وفي وسط هذا الجو المشبع بصور العدوان والتنكيل يبعث الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ملكاً فيقول له : ( إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا مَلَك الجبال ، بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت ؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً ) [ متفق عليه ] . لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراً عادياً وليس رسولاً مرسلاً ، لربما قال : إن هؤلاء قومٌ لا يستحقون الحياة ، وربما كان في التنكيل بهم آية لغيرهم . فيطلب من مَلك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين ، وهما جبلان عظيمان في مكة ، ولكنه صلوات الله وسلامه عليه وهو الرحمة المهداة لا يزال يأمل أن يعود من هؤلاء من يعود ، أو ينقضي جيل الضلالة والغواية ، ويأتي من أولادهم من يدرك جلال الحق وبهاء الصدق وروعة الإسلام ، فيقبل عليه بقلبه وقالبه . ويخرج صلوات الله وسلامه عليه إلى المدينة مهاجراً بعد أن أفلت من تلك السيوف الظالمة التي تربصت به ليلة الهجرة لتجهز عليه ويجد في مهاجره إلى المدينة رهط الأنصار الذين بذلوا نفوسهم لله وسخروا إمكاناتهم المادية والمعنوية لنصرة الإسلام ، ولكن قريشاً لم يرُق لها هذا النجاء منه صلى الله عليه وسلم ، فلا تزال تستعدي عليه العرب ، وتجيش جيوش الباطل ضده وتبني علاقات الغدر مع اليهود الساكنين معه صلى الله عليه وسلم في المدينة ، ويشاء الله أن تبوء كل هذه المحاولات بالفشل الذريع ، والإخفاق المتوالي ، حتى يعود صلوات الله وسلامه عليه إلى بلده مكة ، البلد الحرام ، الذي أخرج منه كرهاً وهو يفيض حباً لموطن التوحيد الأول ، الذي بني فيه أول بيت وضع للناس ، دخل هذا البلد ظافراً منتصراً ، قد تمكن من ناصية الجبابرة الذين لا هم لهم على مدى ما يقرب من ربع قرن إلا النكاية به صلى الله عليه وسلم وبدينه . هل تراه صلى الله عليه وسلم مؤاخذاً لو أنه عامل هؤلاء القوم بما يستحقون قتلاً وضرباً وإيذاءً وطرداً ونفياً ؟! وقد اتفقت الأديان ، بل البشر جميعاً ؛ إلى عدالة المعاقبة المثلية . نعم ، لو عاقبهم لكان عادلاً منصفاً ، ولكنه يأبى كل ذلك ويقول لهم : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) . لقد برئت نفس المصطفى صلى الله عليه وسلم من أن تكون مستودعاً للأحقاد أو مزرعة للضغائن ، إنه جاء للخلق ليهديهم ويدلهم على ربهم ، جاء لينتزعهم من شقاوة الكفر إلى نور الإسلام ، وهو إذ ينزع إلى هذه الغاية يحتسب على الله ما لحق به في هذا السبيل ، وكذا ما لحق بأصحابه ، فعند الله أجر كبير ، وهداية هؤلاء مكسب عظيم في صفحات الداعية ، حيث يكتب له مثل أجر من عمل من الخير ، هذه المعاني وأكثر منها كانت وراء ذلك الموقف النبيل والصفح الجميل ، بل كانت هذه الشمائل العذبة قائدة البشر إلى دين الله ، فكانت غزوة الفتح فتحاً في المكان ، حيث دخلت مكة وما جاورها في دولة الإسلام ، ولكنها أيضاً كانت فتحاً في النفوس حين تسابق الناس إلى دين الله ، كما جاء بذلك التنزيل : ( إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفوجاً ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ) . وثمة صور أخرى من صفحه صلوات الله وسلامه عليه وعفوه ؛ فلقد حاول جماعة قتله صلى الله عليه وسلم كعمير بن وهب الذي خرج من مكة إلى المدينة بسيفه الصقيل المسموم ليقتله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه صلوات الله وسلامه عليه أعلم عميراً بنيته التي قدم من أجلها ، فتركه دون عقوبة ، فما كان من الرجل إلا أن أعلن شهادة الحق ، فدخل في دين الله . وينصرف صلوات الله وسلامه عليه من غزوة قبل نجد ، فيستريح تحت ظل شجرة ليلتقط أنفاس الراحة ، فيفاجأ بأعرابي قد رفع عليه السيف ليقتله ، فلا يمكنه الله من تحقيق مراده ، ويسقط سيفه من يده ، فلا يعاقبه صلى الله عليه وسلم ، بل يعرض عليه الإسلام ، ويأبى مع ما يراه من ذلك الموقف النبيل لكنه يقول : ( لا أقاتلك ولا أكون معك ولا مع قومٍ يقاتلونك ) فيخلي سبيله ليعود إلى قومه وقد امتلأ بروعة الصفح وبهاء الصبر فيقول لهم : ( جئتكم من عند خير الناس ) . وتسول النفس الآثمة لامرأة يهودية أن تضع السم في شاة أهدتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأكلها ، ثم هي لا تعتذر عن هذه الفعلة الشنيعة حينما يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب فعلها ، بل تقول أردت قتلك . فيقول لها : ( ما كان الله ليسلطك على ذلك ) . فيبادر الصحابة قائلين : ( ألا نقتلها ) فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ) . والمواقف لا تنتهي منه صلى الله عليه وسلم في تأسيس هذا الخلق قولاً وفعلاً ، وكلها أمارات صدق وعلامات حق على هذه النبوة الكريمة ، والأبوة الحانية ، حتى قال الله فيه : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) . إن هذه المواقف منارات تهتدي بها البشرية إذا أرادت أن تعيش في سلام ، وأن يسود مجتمعاتها الخير والبر ، فليس أهدى سبيلاً ممن جعل المصطفى صلوات الله وسلامه عليه إماماً يرتسم خطاه ، ويسير على نهجه ، ويتسع صدره ، وتفيض شمائله براً وإحساناً طلباً للرضا الإلهي ، وإيثاراً للأجر الأخروي ، والله أعلم . كتبه / عبد الله بن وكيّل الشيخ |
![]() |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
| أنماط العرض | تقييم هذا الموضوع |
|
|